بحث متقدم
الرئيسية » الأحداث والمواقف » الأزهر في مواجهة الحملة الفرنسية 1798- 1801م

إن أهم ما تميز به دور الأزهر الوطني، هو زعامته الشعبية أمام الاحتلال الفرنسي للقاهرة في 8 صفر سنة 1213هـ/ 21 يوليو1798م، بعد هزيمة قوات مراد بك قي معركة إمبابة، وتركت العاصمة تحت رحمة الغزاة، فساد في أرجائها الاضطراب والذعر، وهنا يبدو الجامع الأزهر في ثوبه الذي اتشح به غداة المحنة، واستمر متشحاً به خلال الأحداث التي واكبت الاحتلال الفرنسي لمصر، حيث كان موئل المعارضين للحكم الفرنسي، وفى رحابه خطط علماؤه لثورة القاهرة الأولى وتنادوا اليها، وتحملوا ويلاتها وامتهنت حرمته، وفى أعقاب ثورة القاهرة الثانية تعرض كبار علماء الأزهر لأقسى أنواع التعذيب والألم، وفرضت عليهم الغرامات الفادحة، وبيعت ممتلكاتهم وحلي زوجاتهم الذهبية استيفاء لها، وعقب مقتل كليبر فجع الأزهر فى بعض طلبته وفي مقدمتهم سليمان الحلبي, وبينما كان الاحتلال الفرنسي يلفظ أنفاسه الأخيرة حتى صدرت الأوامر باعتقال شيخ الأزهر الشيخ عبد الله الشرقاوي، وهكذا ظلت تخيم أزمة عدم الثقة بين الأزهر وسلطات الاحتلال الفرنسي حتى آخر أيامه ورحيله عن البلاد.

قام الأزهر بدور كبير فى مقاومة الحملة الفرنسية، وكان منبره هو منبر مصر، وحاولت الحملة أن تسترضى الشيوخ وتتملق علماء الدين ولكن ذلك لم يجد لها أي نفع فلقد قاومها علماء الأزهر وطلابه منذ اللحظات الأولى لنزول الحملة الفرنسية على مصر فى 18محرم 1213/ أول يوليو 1798م، ووصلت الأنباء من الثغر ودمنهور ورشيد مفادها أن هناك سفنا للفرنسيين نزلت إلى الشواطئ المصرية فاجتمع علماء الأزهر وبعض أمراء المماليك والقاضي واتفقوا على أن يرسلوا مكاتبة إلى السلطان العثماني فى العاصمة بهذا الحادث وأن يجهز مراد بك العسكر ويخرج لملاقاتهم، غير أنه هزم أمام الفرنسيين, وعندما وصلت الأخبار إلى القاهرة بانتصار الفرنسيين فى سبرا ريس؛ وهي التي اشتهرت بمعركة شبراخيت في 30 محرم 1213هـ/ 13 يوليو 1798م، حينذاك أصبح الجامع الأزهر مكاناً لاجتماع طوائف الشعب المختلفة، والساحة الشعبية الوطنية لتعبئة الروح المعنوية ضد الفرنسيين، ثم طاف السيد عمر مكرم نقيب الأشراف وأحد العلماء بالأزهر فى أنحاء القاهرة مناديا بالجهاد، والمصريون يلتفون حوله بالآلاف يحملون السلاح المتاح لهم من العصى والنبابيت وهم يهللون ويكبرون, ووقفوا فى غير نظام على الشاطئ الشرقى للنيل يترقبون الأمر، إلا أن قائد الحملة الفرنسة نابليون بونابرت سرعان ما حسم الأمر بانتصاره عند امبابة (في محافظة الجيزة الآن ) فى7 صفر 1213هـ/21 يوليو 1798) وعندما وقعت الهزيمة بجيش مراد بك فر إلى الصعيد وفر إبراهيم بك إلى الشام , وتركا القاهرة فاشتد الكرب بالناس وشرع القادرون منهم على الرحيل من القاهرة طوال ليلة الأحد 8 صفر 1213هـ/ 22 يوليو 1798م، وفى الصباح اجتمع بالأزهر بعض العلماء والأعيان ، وبعد أن تشاوروا اتفق الرأى على أن يرسلوا إلى قائد الفرنسيين فى معسكره بالجيزة وفدا استطلاعياً مكوناً من رجل مغربي من أعلام طرابلس يسمى أبا القاسم يعرف الفرنسية، ومعه آخر من رواق المغاربة وثالث من علماء الأزهر؛ باعتبار أن كبار المشايخ كانوا من غير القادرين على أن يبدأوا الاتصال بالسلطة الجديدة، وتوجه الوفد إلى بولاق ليعبروا إلى معسكر القائد الفرنسي بالشاطئ الغربى للنيل لمفاوضة نابليون؛ ويذكر الجبرتى أن وفد علماء الأزهر قال لنابيلون" نريد أماناً منكم لاطمئنان الناس" فكتب لهم قائلاً " إننا أرسلنا لكم كتابًا فى السابق فيه الكفاية وذكرنا لكم أننا ما حضرنا إلا بقصد إزالة المماليك الذين يستعملون الفرنساوية بالذل والاحتقار، ولما حضرنا إلى البر الغربى خرجوا إلينا فقابلناهم بما يستحقونه، وقتلنا بعضهم وأسرنا بعضهم، أما المشايخ والعلماء وأصحاب المرتبات والرعية فيكونون مطمئنين فى مساكنهم مرتاحين ".
أرسل نابليون مع الوفد يستدعى كبار المشايخ والعلماء قائلا : لابد أن المشايخ يأتون إلينا لنرتب لهم ديواناً ننتخبه من سبعة أشخاص عقلاء يدبرون الأمور" ثم تحركت الفرق العسكرية الفرنسية بحرص نحو القاهرة، ودخلتها فى 9 صفر 1213هـ/ 24 يوليو 1798م, وفي اليوم التالي, وبعد أن استقر نابليون بونابرت في قصر محمد بك الألفي بالأزبكية, استدعى العلماء والمشايخ لمقابلته، وطلب ترشيح عشرة منهم لتأليف ديوان منهم فوقع اختيارهم على: الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ خليل البكري، ومصطفى الصاوي، وسليمان الفيومي، ومحمد المهدي الكبير، وموسى السرسي، ومصطفى الدمنهوري، وأحمد العريشي، ومحمد الدواخلى، ويوسف الشبراخيتى، كما قرر أن تعقد جلساته يومياً فى تمام الساعة الخامسة فى منزل كخيا الشاويشية، وعليهم أن ينتخبوا من بينهم رئيساً لهم ويختاروا سكرتيرا (كاتم السر) من غير الأعضاء ويعينوا اثنين من الكتبة يعرفان العربية والفرنسية، وقد ضم هذا الديوان كلا من القاضى ونائب السلطان العثمانى.
وبالرغم من سلطة هذا الديوان كانت محدودة, وخاضعة لتوجيه المحتلين، فإن في تأليفه علي هذا النحو، تنويها بأهمية الجامع الأزهر، ومكانة علمائه والاعتراف بزعامتهم الشعبية والوطنية. وقد تضافرت عوامل كثيرة جعلت علماء الأزهر أكثر الفئات دعوة إلى الثورة ضد الاحتلال الفرنسي ومنها:
- استحالة إيجاد جو من التعايش السلمى بين المصريين والفرنسيين , فقد كان الأزهر يرى فى الدولة العثمانية دولة الإسلام الكبرى وأن سلطانها هو خليفة المسلمين بينما نظر الأزهر إلى نابليون على أنه حاكم غربي استولى على بلادهم عنوة.
- إرغام نابليون أعضاء الديوان بارتداء الشارة الفرنسية, وحين ألبسها للشيخ عبد الله الشرقاوي رفض وضعها وألقى بها على الأرض, فأصدر نابليون أوامره بأن يلبسها كل المصريين وكان ذلك بمثابة تحد للشعور الدينى.
- كان المجتمع المصري غير مستعد لتقبل فكرة الانفتاح الأوربي حيث سفور النساء واختلاطها بالرجال، إضافة إلى كثرة الخمارات والمراقص الأمر الذي صدم المجتمع المصرى وقتذاك.
- قيام بعض الفرنسيين بخطبة بنات الأعيان المسلمات؛ وقد أفتى بعض المشايخ بشرعية زواج الفرنسى من المسلمة بمجرد أن ينطق الشهادتين؛ فكان ذلك بمثابة فساد الدين وتفشي الرذيلة, مما أثار مشايخ الأزهر.
6 – استيلاء بعض المسيحين على إيراد الأوقاف الخيرية الإسلامية مما حرم أولاد الكتاتيب والفقهاء والعميان والمؤذنين وأرباب الوظائف والمرضى بالبيمارستان المنصورى من أرزاقهم, إضافة إلى قيام الفرنسيين بقيادة اللواء كارفاريلي بهدم المساجد والمقابر واتنزاع أبواب الحارات, و نهب الدكاكين واقتحام البيوت ، وقتل الكثير من المصريين ممن يلوذون بالمساجد.
- أرسل السلطان العثمانى سليم الثالث (1175 - 1222 هـ/1761 - 1808م) منشورًا إلى علماء الأزهر وطلابه دعا فيه المصريين إلى الجهاد الدينى ضد الفرنسيين، وفى 3 ربيع الآخر 1213هـ / 13سبتمبر 1798م، أرسل إبراهيم بك خطاباً إلى مشايخ الجامع الأزهر يبشروهم بمجئ جيش من السلطان العثمانى؛ وحين علم نابليون بذلك توجه إلى بيت الشيخ السادات بالمشهد الحسيني وسأله عما هو مكتوب فى هذه الرسالة فأنكر الشيخ علمه بها. وفى الوقت ذاته كثر الناس بالجامع الأزهر وأخذوا يهتفون فشخص اليهم وسأل نابليون من معه ماذا يقولون فأخبروه بأنهم يدعون له، وكان هذا اتقاء لفتنة محققة ودمار قد يحل على الناس.
ولكن عندما اشتدت وطأة الاحتلال الفرنسي، وتعددت ألوان الاستنزاف والعنت، أخذ الشعب المصري يتربص للانتقام، وبدت طلائع ثورة القاهرة الأولى يوم الأحد11جمادى الأولى 1213هـ/21 أكتوبر 1798م وكان الجامع الأزهر مقر قيادتها العامة, وتولى العلماء الإعداد للثورة التي تكونت أطرافها فى الجامع الأزهر, حيث تشكلت لجنة للإعداد للثورة، وقدر نابليون عدد أعضائها بمائة عضو وأطلق عليها ديوان المتمردين أو اللجنة المتآمرة, وكان يرأسها الشيخ محمد السادات وأعضاؤها علماء الأزهر, وقد أجمعت المصادر أن عددهم لا يتجاوز ثلاثين عضوا من غير علماء ديوان القاهرة الذين تم وضعهم فى بوتقه واحدة مع الفرنسيين, وقامت اللجنة بشراء الأسلحة وأودعتها أماكن بعيدة عن أعين الفرنسيين.
وذهب طلاب الأزهر يجوبون القاهرة وبدأوا ينادون أن كل واحد مؤمن موحد بالله عليه بالجامع الأزهر, لأن اليوم ينبغي لنا أن نواجه فيه الكفار", وكان هذا النداء بمثابة كلمة السر مما يؤكد أن الثورة كانت على مستوى جماهيرى واسع.
وطلبت اللجنة من مؤذني المساجد تحريض الناس على الثورة خمس مرات فى اليوم مع أذان كل الصلاة، ويقول بونابرت فى مذكراته :" أنه من فوق ما يزيد عن أربعمائة منارة مسجد فى القاهرة كانت تطلق أصوات المؤذنين تطلب من المسلمين القيام على الفرنسيين , وكان المؤذنون يصفونهم تارة بأنهم أعداء الله , وتارة أخرى بأنهم غير مؤمنين " وبذلك كانت الدعوة للثورة تصل إلى أسماع كل سكان القاهرة, واعتمدت اللجنة على أئمة المساجد فى خطبهم التى تدور حول الجهاد الدينى وعلى قرائها يتلون الآيات التى تلهب حماس الشعب.
كما كان للأزهر دور إعلامي قام به طلابه، و تمثل فى شن حمله تأثير على السكان؛ مضمونها تأكيد المعاني التي استقرت فى نفوس الناس عن ضعف الفرنسيين بعد تحطيم أسطولهم في موقعة أبى قير البحرية في 17 من صفر 1213هـ / أول أغسطس 1798م.
وأضحى الجامع الأزهر يزخر بخليط من الثوار من الطلبة وسكان القاهرة الذين بلغ عددهم خمسة عشر ألفاً، ولما شاهدوا الجنرال ديبوى حاكم القاهرة مع فرسانه هجموا عليه وقتلوه كما قتل الكثير من فرسانه، وسيطر الثوار على معظم مداخل القاهرة باستثناء ميدان الأزبكية وبركة الفيل والقلعة التي تمركز فيها الفرنسيون, وبعد أن أدرك الفرنسيين اندلاع الثورة بمقتل الجنرال ديبوى؛ بدأ الهجوم على الثوار بإطلاق النار على الناس في الشوارع وخلف المتاريس فتجمع الثوار في الأزهر ونصبوا المتاريس في الطرق والحارات والأزقة المؤدية إليه لتحصين مركز الثورة، وقد انضم إلى صفوف الثوار أهالي القرى المجاورة للقاهرة، وقسم الثوار أنفسهم إلى مجموعات وهاجموا المخافر وفتكوا بحنودها، فلما أدرك الفرنسيون أنها ثورة عارمة وأن الأزهر هو مركز الثورة، تمركزوا فوق تلال المقطم بمدافعهم وسلطوها على الأزهر وعلى الأحياء المجاورة له لإرهاب المصريين، وأوشك الجامع الأزهر أن يتداعى من شدة الضرب, وسعى علماء الأزهر من أعضاء الديوان مقابلة نابليون فأستقبلهم بفتور وحملهم مسئولية الثورة، وطلب منهم الاتصال بزعماء الثورة لإلقاء السلاح ليتوقف عن ضرب المدينة، ولما ذهب الأعضاء إلى الثوار من المشايخ والعلماء المتواجدين بالأزهر رفضوا السماح لهم بدخول الجامع الأزهر, حيث اعتقدوا أنهم يأتون بوساطة من الفرنسيين؛ حينذاك أكد أعضاء الديوان أن مركز الفرنسيين يتدهور؛ فغلبت الحماسة على الثوار وأخذوا يتحدثون عن مسيرة كبرى تخرج من الأزهر إلى مواقع الفرنسيين، فلم يجد نابليون بداً من استخدام أقسى وسائل العنف لسحق الثورة, فأصدر أوامره بقصف الجامع الأزهر والأحياء المجاورة له, ودخلت خيولهم صحن الجامع الأزهر, وعاثوا فساداً حيث داسوا أرضيته بالنعال حاملين أسلحتهم وبنادقهم متفرقين فى أروقته, وربطوا خيولهم بالقبلة بل واحتسوا الخمر داخل الجامع الأزهر عابثين بحرمته، ولم يراعوا فى هذا شعور المسلمين, وامتدت أيديهم إلى كل ما يمكن نهبه فنهبوه، وقتلوا فى هذه المعركة ما يزيد عن أربعة آلاف مصرياً, فكان كل ذلك تحدياً خطيراً لمشاعر المصريين الدينية.
واللافت للنظر أن الفرنسيين عمدوا إلى خزائن الكتب الجامع الأزهر ونهبوا منها الكثير، وقام من معهم من اليهود الذين اصطحبوهم للترجمة بتحطيم الكتب والمصاحف بأقدامهم, وكان بونابرت على علم بما حدث فى خزائن الكتب، وكان اقتحام الأزهر على هذا النحو الهمجى معناه سقوط كل زيف حاول بونابرت أن يدخل به على الشعب المصري؛ لأن الأزهر هو مركز قيادة الأمة؛ تتركز فيه الزعامة الدينية والوطنية واقتحامه هو إهانة للدين الإسلامي الذي ادعى كذبا أنه يحترمه.
وكما أوقد الأزهر لهيب الثورة أخمدها عن طريق إرسال المشايخ وفدا من لدنهم إلى نابليون يوم الأربعاء 15 من جمادى الأولى سنة 1213هـ / 24 أكتوبر 1798م يطلبون الأمان ليطمئن الناس وتزول مخاوفهم؛ فوعدهم بونابرت وعداً مشوباً بالتسويف، وطالبهم بإرشاده عن الذين تسببوا من الأزهريين فى إثارة الشعب فلم يتهموا أحداً, وحين طلبوا إليه إخراج الجنود من الجامع الأزهر استجاب بعد لأي.
أما الذين حوكموا من العلماء باعتبارهم من زعماء الثورة فهم الشيوخ إسماعيل البراوى، وأحمد الشرقاوي، وعبد الوهاب الشبراوي، وكان يقوم بقراءة كتب الحديث كالبخارى ومسلم فى المشهد الحسيني، ويوسف المصيلحى الذي يقوم بالتدريس فى جامع الكردي, وسليمان الجوسقى، وكان من العلماء المشهورين بشدة البأس, وكانت محاكمتهم سرية وقد حكم عليهم بالإعدام فى يوم 27 جمادى الأولى 1213هـ /3 نوفمبر 1798م، وفى اليوم التالي أخرجوا من سجنهم ونفذ فيهم حكم الإعدام رمياً بالرصاص فى ساحة القلعة، ولم يعلم لهم قبراً بعد مقتلهم , وذكرت مصادر معاصرة : أن عددا من أعدموا ثلاثة عشر من علماء الأزهر , وعلى الرغم من أن نابليون كان يعلم أن الشيخ السادات كان رئيساً لمجلس الثورة إلا أنه لم يتعرض له بسوء، ويقول نابليون فى مذكراته عن الشيخ" أنه مع قيام البينات على أنه زعيم الثورة فقد عفي عنه ورأى أن الضرر من قتله أكبر من نفعه, لما له من المنزلة الرفيعة فى الشرق , فقتله يجعله شهيداً فى نظر الشعب ".
وفي حين عطل نابليون الديوان بعد الثورة ، وانصرفوا إلى تحصين القاهرة خوفاً من ثورة أخرى، فقد رأى أن مقتضى السياسة أن يزيد فى التودد للمصريين فأعاد إنشاء الديوان, وأصدر منشوراً فى 14 رجب سنة 1213هـ/ 21 ديسمبر 1798م, ولكنه وضع له نظاماً جديداً بحيث يكون أكثر تمثيلاً لسكان القاهرة على اختلاف مهنهم وحرفهم ودياناتهم، ولكنه بدأ يدخل فى العناصر الموالية له وفي مقدمتهم الأجانب الموجودين فى مصر بشكل مختلط من المشايخ والتجار والأجانب.
بيد أن ثورة القاهرة الأولى حفرت هوة عميقة بين الفرنسيين والأمة المصرية، ووجد نابليون أن الصمود فى مصر أصبح من المستحيل، وعليه أن يعوض النكسة والهزيمة التي مني بها , فقرر أن يزحف نحو القسطنطينية, فحمل لواء النصر المزيف، وخرج فى اتجاه الشام، بيد أن الوباء انتشر فى جنوده, كما وصل إلى يافا عدد ليس بالقليل من مشايخ الأزهر ليقاتلوا مع أهلها، وعلى رأسهم السيد عمر مكرم, وفى يافا خاض نابليون أقسى معاركه، وكانت حاميتها تتكون من خمسة آلاف جندي؛ استشهد ألفان واستسلم ثلاثة من بينهم خمسمائة مصرى وقرر نابليون عقابهم بالإعدام ولكنه استثنى منهم الأسرى المصريين, فأعادهم إلى مصر.
ومن يافا أخذ نابليون في الزحف إلى عكا، وكانت تقع على لسان فى البحر المتوسط، ولكن أحلامه تحطمت على أسوارها، حيث وقف له واليها أحمد باشا الجزار, وسدني سميث قائد البحرية الانجليزية وقتذاك, واستعصى على نابليون دخولها وعندئذ أدرك أن مشروعه فى الشرق قد توقف, فعبر عن ذلك قائلاً " إن قدر الشرق يتوقف على هذه المدينة الصغيرة, ولاحظوا أنها المفتاح إلى القسطنطينية وإلى الهند" ولكنه لم يستطع أن يعلن إلا الكذب؛ فأرسل منشوراً للشعب المصري يعلن: أنه سوف يعود للقاهرة ويجلب معه الأسرى, وأن من بطشه ولى السكان الهرب؛ وجرح الجزار جرحاً قاتلاً ، وبذلك حرص نابليون على الدخول إلى القاهرة منتصراً، ثم ظهر أمام ميناء الإسكندرية جيش عثماني جمعه حسن بك مصطفى فى جزيرة رودس وقام بالاستيلاء على القلعة, فشن نابليون هجوماً عنيفاً انتهى بانتصاره, ولكن حكومة الإدارة فى باريس فزعت لما حدث فى الشام واعتبرته كارثة، ولا بد أن تنتهى مغامرة الشرق مهما كان الثمن؛ فأرسلت إلي نابليون تستدعيه مؤكدة أنها سوف تتفاوض مع العثمانيين والبريطانيين من أجل الجلاء، ومؤكدة أن فرنسا ذاتها أصبحت فى خطر ولم يملك بونابرت إلا أن يعود مهزوما، وخلفه فى قيادة الحملة الفرنسية الجنرال كليبر الذى كان على راس الذين أيقنوا أن الحملة والمشروع قد انتهيا إلي الفشل التام, وأن المهمة أصبحت بحث طريق العودة بسلام.
ولم يلبث الجنرال كليبر أن واجه ثورة القاهرة الثانية فى 23 شوال 1214 هـ/ 20مارس 1800م، واستمرت شهرًا كاملا، وأضحى كليبر يائسا من جدوى الاستمرار داخل مصر فسعى إلى توقيع إتفاقية العريش التى فشلت بسبب رفض الحكومة الإنجليزية، ومن ثم أتجه كليبر إلى جيش العثمانين الذى جاء ليتسلم السلطة بموجب الاتفاقية وعسكر فى عين شمس وهزمهم، ولكن كليبر عاد إلى القاهرة ليجدها مدينه يحكمها الثوار، وكان وقتها السيد عمر مكرم قد عاد من الشام وأخذ ينادي بالثورة وانضم إليه السيد أحمد المحروقي وبعض الأتراك من خان الخليلي، وتبعهم كثير من عامة الشعب وتجمعوا على التلال خارج باب النصر، وفي أيدي الكثير منهم النبابيت والعصى والقليل من السلاح ، ودب الحماس فى نفوس المصريين واقتحموا معسكرات الفرنسيين واستولوا على ما فيها ، وفى صبيحة اليوم التالي لاشتعال الثورة أحضر الثوار بعض المدافع التى كانت للعثمانيين فى عين شمس وسحبوها أمامهم إلى الأزبكية، ولم تكن بهذه المدافع قنابل فاستعاضوا عنها بكرات حديدية ,وانضم سكان بولاق إلى الثوار وكانت الثورة على أشدها ، واتخذت من حي الجمالية مكاناً لتجمع الثوار المسلحين، وكان الأزهر بعلمائه وطلابه هو عقل الثورة المفكر, وكان زعمائها من علمائه عمر مكرم وأحمد المحروقي، وقد اشترك مع الأزهر جميع الفئات التى وجدت فى القاهرة , حيث شارك فيها أقباط مصر والعسكريون العثمانيون والأمراء المماليك، كما اشترك فى هذه الثورة أولاد كبار العلماء ومنهم محمد نجل الشيخ الجوهرى، ومحمد نجل الشيخ الأمير، والشيخ فتوح الجوهرى بن الشيخ الجوهرى الكبير، وكان دور هؤلاء الشباب هو حشد الناس وتعبئتهم للقتال، في حين تحمل كبار دور العلماء إمداد الثوار بما يحتاجون إليه من مال لشراء الأسلحة والزاد والعتاد.
وخشي كليبر من عاقبة الاندفاع فى بادئ الأمر فى مهاجمة الثوار، وعمد أولاً إلى إحكام الحصار حول القاهرة ومنع الاتصال بينها وبين المدن والقرى المجاورة, ولجأ إلى التفريق بين العناصر الموجودة داخل القاهرة من أتراك ومماليك ومصريين، وبدأ بمفاوضة مراد بك وبالفعل تم الصلح بينهما, كما لجأ إلي أقسى وسائل العنف فى قمع ثورتهم ووجه مدافعه على القاهرة لتنشر فيها الخراب، ووفقا لما ذكره أحد المعاصرين للأحداث، فقد هدمت المنازل المتينة واحترقت البضائع الثمينة، وكانت أيام شديدة الأهوال، غريبة الأحوال، تتزعزع عن ذكرها الجبال وتشيب من أهوالها الأطفال وقد شددت الفرنساوية الحصار وصارت تهاج ليل نهار"، حينذاك اجتمع رأى علماء الأزهر على وقف الثورة حماية للمدينة من الدمار, وأن يطلبوا الأمان، وعقدوا فى بيت ناصيف باشا ديواناً، واجتمع معهم السناجق والكشاف وعثمان بك كتخدا الدولة (نائب الوالى العثمانى)، وأخذوا يتفاوضون فى أمر التسليم، وانتخبوا اثنين من المشايخ عبد الله الشرقاوي, وسليمان الفيومى, واثنين من السناجق عثمان بك البرديسي, وعثمان بك الأشقر، فذهبوا إلى كليبر رافعين راية الأمان .
ولقد لقي علماء الأزهر وطلابه أبشع وسائل الانتقام, حيث فرض كليبر غرامة وصلت إلى 12 مليون فرنك , كما طالب علماء الأزهر بأداء نصيب موفور منها. كما اعتقل الشيخ السادات وزوجته، وصودرت أملاكه ومرتباته وأوقاف أسلافه وبقى معتقلاً حتى أفرج عنه فى عهد الجنرال مينو فى 25 صفر 1215هـ/19 يوليو1800م، وشرطوا عليه ألا يجتمع بالناس، وألا يركب دون إذن من القيادة الفرنسية، وقد بقى رهن المراقبة فى داره حتى اعتقل للمرة الرابعة فى أواسط شوال 1215هـ / أوائل مارس 1801م, وحينذاك يظهر دور طلاب الأزهر الوطني فى مقاومة الحملة الفرنسية ممثلا فى شخص سليمان الحلبي, الذي انضم إلى مجموعة طلاب الأزهر الشوام المقيمين فى رواق الشوام وكان منهم أربعة مقرئين للقرآن من أبناء غزة وهم: محمد عبد الله , وسعيد عبد القادر الغزى, وأحمد الوالي، وأعلمهم سليمان بعزمه على قتل الجنرال كليبر وأنه نذر حياته للجهاد فى سبيل تحرير مصر من الغزاة، ولكنهم لو يأخذوا كلامه على محمل الجد، فتنكر سليمان الحلبي في زى شحاذ، وفى 2 صفر 1216هـ /14 يونيو 1800م، تسلل إلى حديقة قصر كليبر, وعندما دخلها اندفع سليمان الحلبي نحوه، وهو يتظاهر برغبته في تقبيل يده، فمد كليبر يده إليه، فأمسكها بقوة، ثم طعنه بالسكين أربع طعنات قاتلة ولاذ بالفرار، إلى أن اعتقله الفرنسيون، و لم يكن سليمان الحلبي مجرد مغامر سعى إلى كتابة اسمه في سجل الأبطال حينما تربص بالجنرال كليبر وقتله، ولكنه كان مجاهدا كبيرا برغم سنوات عمره التي لم تتعد العشرين عاما، وحوكم سليمان أمام محكمة فرنسية و في صباح يوم 28 يونيو 1800م؛ صدر حكم بشع بأن تُحرق يد سليمان اليمنى حتى عظم الرسغ حتى تحترق العظام، ثم يعدم بالخازوق، كما حكمت المحكمة على رفاقه من أبناء غزة بالإعدام وفصل رؤوسهم عن أجسادهم.
وعقب مقتل الجنرال كليبر تولى الجنرال جاك مينو قائد القاهرة قيادة الحملة الفرنسية في مصر، في حين استمرت مطاردة الفرنسيين لعلماء الأزهر وطلابه، بل وصدرت أوامر القادة الفرنسيين باعتقال كبار العلماء وفي مقدمتهم شيخ الجامع الأزهر عبد الله الشرقاوي, وهكذا ظلت نظرة الفرنسيين للأزهر تشوبها الشكوك والظنون والتربص بعلمائه ، على أساس أنهم الهيئة القديرة على تحريك الشعب نحو الثورة ضدهم، ومن ثم اتجه الفرنسيون إلى الأزهر وأخذ يخرب كل ناحية فيه بحجة التفتيش عن السلاح، وكانت هذه الخطوة كافية لأن يهجر طلبة العلم الأزهر فنقلوا أمتعتهم وكتبهم وأخلوا أروقتهم .
كما اتخذ الفرنسيون بعض الإجراءات التحفظية ضد الأزهر, وعندئذ رأى الشيخ عبد الله الشرقاوي وزملاؤه أن استمرار الدراسة فى هذه الظروف المضطربة أمر متعذر والأفضل أن يغلق الجامع الأزهر, وبالفعل تم إغلاقه فى28 محرم 1215هـ/ 22 يونيو 1800م. وكانت هذه هي أول مرة يغلق فيها الجامع الأزهر منذ ثمانية قرون ونصف ظل فيها مفتوح الأبواب لكل قاصد.
كما أعاد الجنرال مينو الديوان ولكن فى هذه المرة من تسعة أعضاء فقط، معظمهم من كبار علماء الأزهر , كما أدرك قوة الأزهر الشريف ومدى تأثيره على جمهور الناس فسعى إلى استرضائهم, غير أنهم ظلوا منه على حذر، وظل الجامع الأزهر مغلقاً زهاء عام، ولما أذيعت أنباء الصلح بين الفرنسيين والعثمانين بادر أولو الأمر بفتح أبوابه وتنظيفه فى( 19 صفر 1216هـ/2 يوليو 1801م) وقد حرص يوسف ضياء باشا الصدر الأعظم( رئيس وزراء الدولة العثنانية) على زيارة الجامع الأزهر فى الأسبوع ذاته وطاف بمقصورته, وأروقته، وبذلك عادت الحياة الدينية والعلمية إلى سيرتها الأولى في الجامع الأزهر، وأخذ طلبة الأروقة يتوافدون على أروقتهم، ومضى الأزهر يواصل مسيرته العلمية فى خدمة الدين واللغة العربية، حتى بعد رحيل الحملة الفرنسية خلال شهري جمادى الأولى والآخرة 1216هـ/ سبتمبر وأكتوبر 1801م تزعم الأزهر الحركة الوطنية إبان الاضطرابات السياسية التي أعقبت خروج الحملة الفرنسية .