بحث متقدم
الرئيسية » الأحداث والمواقف » موقف الأزهر من الحرب العالمية الثانية 1939- 1945م

  يعد موقف علماء الأزهر وطلابه إبان الحرب العالمية الثانية 1358 – 1364 هـ / 1939 - 1945م، حلقة من حلقات دوره الوطني في حماية مصر؛ حين أراد البريطانيون أن يزجوا بالمصريين معهم إلى ميدان الحرب التي اشتعلت في أوربا وقتذاك، وفي خطبته بمسجد الرفاعي يوم الجمعة 28 شعبان 1360 هـ/ 19 سبتمبر1941م، قال شيخ الأزهر محمد مصطفي المراغي مقولته الشهيرة:" نسأل الله أن يجنبنا ويلات حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل"، وقد أحدثت مقولة شيخ الأزهر ضجة أقلقت الحكومة البريطانية، التي أرغمتها ظروف الحرب تفادي الاصطدام بالشيخ المراغي لأنهم يعرفون مكانته الدينية وجرأته.

  تسجل صفحات التاريخ مواقف الأزهر الشريف الوطنية ضد طغيان الحكام المستبدين، والمستعمرين الباغيين، وقد ظهر ذلك جليا في موقف علمائه وطلابه إبان الحرب العالمية الثانية 1359 – 1364 هـ/ 1939- 1945م، التي نشبت بين معسكرين؛ الأول دول الحلفاء وعلى رأسه بريطانيا والآخر دول المحور وهي ألمانيا وإيطاليا، وقد بذلت بريطانيا جهداً كبيراً لضمان مساعدة مصر لها أثناء تلك الحرب، ولم يقتصر جهد ما يلز لامبسون Lampson السفير البريطاني في مصر علي الاتصال بالساسة المصريين قبيل الحرب بل تعدي الأمر إلى المؤسسات التعليمية وفي مقدمتها الأزهر الذي كانت تخشي من تأثير الدعاية الإيطالية المضادة؛ لإزعاج السلطات البريطانية في مصر وخلق المتاعب لها، فقام لامبسون بدعوة المراغي شيخ الأزهر ؛ لتشاور معه في الأحوال العامة والسياسة الداخلية, وأخبره بأن هناك دعاية إيطالية تشير إلى" أن الانجليز يضطهدون المسلمين وأن إيطاليا صديقة المسلمين"، ودار حديث لامبسون حول إمكانية استخدام الطرق الصوفية، وكذلك الوعاظ في المساجد لإبطال هذه الدعاية، وتحذير الناس منها، فكان رد الشيخ المراغي: بأنه يعتقد أنه ليس من الحكمة الذهاب لأبعد من استخدام الوعاظ لتهدئة النفوس وإسداء النصح للناس لقصور القوات البريطانية عن الدفاع عن الأراضي المصرية، وخشية المصريين على أراضيهم من تفوق القوات العسكرية الإيطالية، كما حذر الشيخ المراغي من معاملة البريطانيين السيئة لشعب فلسطين الشقيق وأنه يؤثر سلبيا على المجتمع المصري .
وحين أشار لامبسون إلى الدعاية الايطالية في رواق الجبرت ورواق المغاربة، قال الشيخ المراغي إنه يعلم هذه الدعاية منذ زمن طويل، حيث أقام الإيطاليون بيتاً للطلبة الليبيين الذين يدرسون في الأزهر، وأعطوهم مرتبات حتى يتمكنوا من الجد في دروسهم، كما كانت إيطاليا تدفع مرتبات للطلبة الإريتريين والأحباش في رواق الجبرت، وأن شيخ الرواق كان على اتصال بهؤلاء الطلبة، ولكنه لم يقم بإجراء في هذا الشأن حيث إنهم فقراء وفي حاجة ماسة لمن ينفق عليهم، كما أنه ليس مستعداً من أن يمنع أحداً من المسلمين من تلقي العلم بالأزهر، كما أنه لن يتدخل في مهاجمة الدعاية الايطالية داخل الأزهر لأن مثل هذا العمل لا يتلاءم مع مكانته؛ وانتهت المقابلة برفض الشيخ المراغي لكل مطالب لا مبسون، وهي نتيجة لم يكن يتوقعها، وكان تعليقه أن الشيخ المراغي يتحاشى التورط في قضية سياسية داخل الأزهر.
وما لبث الموقف الدولي في التدهور حين اجتازت ألمانيا حدود بولندا في شعبان 1358هـ/ سبتمبر1939م، واشتعلت الحرب العالمية الثانية، وقام علي ماهر باشا رئيس وزراء مصر بإعلان حالة الطوارئ وفرض الأحكام العرفية؛ بناء على طلب السفير البريطاني تنفيذا لأحكام المعاهدة المصرية البريطانية في عام 1355هـ/1936م، ثم بحث لامبسون مع علي ماهر التدابير اللازمة لمواجهة أعباء الحرب، وما يجب اتخاذه لمساندة بريطانيا وتدبير المواد الغذائية والمهمات الحربية اللازمة لقواتها المحاربة, وأصبح الحكام العسكريون البريطانيون هم الذين يتولون تطبيق القانون العسكري البريطاني على مواطني البلاد، وبناء عليه فقد فرضت الرقابة على الصحف والسينما والإذاعة والمراسلات الخاصة، ولم يكن أمام البرلمان المصري إلا الموافقة على تلك الإجراءات المقيدة للحريات الشخصية .
ثم واجهت حكومة علي ماهر مسألة دخول الحرب إلى جانب بريطانيا إذ التزم بسياسة تجنيب مصر ويلات الحرب، وتدخلت بريطانيا لإقالة تلك الحكومة لعدم تعاونها في اعتقال الألمان، وعدم قيامه بمصادرة أموال الشركات الإيطالية في مصر، واتهمت بريطانيا حكومة علي ماهر بمعاداتها ومسئوليتها عن نمو التيار الموالي للمحور ووجهت أمراً إلى فاروق في 12 جمادى الأولى 1359 هـ/ 17 يونيو 1940 بتعيين حكومة متعاونة تتوافر فيها الشروط التي تناسب المصالح البريطانية، وقد تمت الإطاحة بحكومة ماهر بعد أن أرسل وزير خارجية بريطانيا هاليفاكس Halifax، برقيته التي نقلها لامبسون ونصها أربع كلمات؛ علي ماهر يجب أن يخرج (Aly Maher must go). وكان هذا أول تدخل مكشوف واعتداء مفضوح على سيادة مصر، وتم اختيار حسن باشا صبري ولم يجرؤ الرجل أن يعلن الحرب على دولتي المحور مدة شغله الوزارة من يونيو إلى نوقمبر 1940، وبعد وفاته الدرامية أثناء إلقاء خطبة العرش في البرلمان، اختار الملك حسين سري باشا، لرئاسة الوزارة في 14شوال 1359هـ/14نوفمبر1940م) ولم يكن هذان الرجلان "صبري وسري" عملاء للبريطانيين ، وإنما ساسة يعتقدون بضرورة التفاهم مع بريطانيا لبلوغ المطالب المصرية لأن ذلك أسلم من مواجهة غير متكافئة معها.
و في حين أخذت بريطانيا تتجه نحو زيادة قبضتها على الأمور في البلاد كاانت قوات روميل الألمانية تتقدم نحو مصر حتى وصلت إلى مدينة العلمين، كما شن القائد الايطالي جارزياني غاراته على مرسى مطروح. وقد زادت الغارات على مصر ووقع الكثير من الشهداء والجرحى، وفي إحدى تلك الغارات التي وقعت على القاهرة وراح ضحيتها تسعة وثلاثون قتيلاً , وثلاثة وثلاثون جريحاً، في اليوم التالي لها كان للشيخ المراغى موقف غاية في الشجاعة والوطنية والعداء للاحتلال البريطاني، حيث كان يخطب الجمعة 28 شعبان 1360هـ/19سبتمبر1941م، في مسجد الرفاعي بالقاهرة، وكان من الحضور الملك فاروق ورئيس الوزراء حسين سري باشا، وعبر الشيخ المراغي عن مشاعر غالبية الشعب في عدم الاشتراك في الحرب بمقولته الشهيرة :" إننا نتضرع إلى الله بأن يرفع عن مصر شر حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل ". فأثارت هذه العبارة رئيس الوزراء وحاول أن يرغم الشيخ المراغي على إصدار تصريح آخر ينفي فيه هذا القول أو يخففه، لكنه رفض وهدد بالاستقالة، حينذاك غضب البريطانيون على الشيخ المراغي، وفي حين قالت صحيفة التايمز البريطانية " أن هذا الرجل أخطر علي بلادنا وحياتنا من كل ويلات الحرب"، كانت الإذاعة الألمانية الناطقة بالعربية قد أعلنت بعد خطبة الشيخ المراغى أن البريطانيين آذوا المصريين بحرب لم يتسببوا فيها،وفي اليوم التالي ردت الإذاعة البريطانية قائلة : إن شيخ الأزهر يقصد بالذين يؤذون المصريين أنهم هم الألمان، وكانت معركة إعلامية، وطلبت الحكومة البريطانية من لامبسون سفيرها في مصر أن يتصل برئيس الحكومة سري باشا ليطلب من شيخ الأزهر أن يشرح ما يريده بالكلمة التي قالها، وأن يستنير عمن يقصده بضرب المصريين هل هم الإنجليز أم الألمان.
ويذكر بعض المؤرخين أن لامبسون ذهب لأبعد من ذلك حيث طلب من الشيخ المراغي أن يذيع على العالم الإسلامي بياناً يعلن فيه أن إنجلترا تحارب في سبيل الديمقراطية، لترعى حقوق العدالة والأخوة والمساواة من أجل الإنسانية المندحرة أمام ديكتاتورية النازية، وذلك بعد ما اضطرب موقف إنجلترا والحلفاء أمام انتصارات هتلر التي توالت عليهم.
وبعد خطبة الشيخ المراغي في مسجد الرفاعي قام سري باشا رئيس الوزراء بالاتصال وخاطبه بلهجة يفوح منها رائحة التهديد؛ فثارت ثائرة المراغي وقال له:" مثلك يهدد شيخ الأزهر؟ وشيخ الأزهر أقوى بمركزه ونفوذه بين المسلمين من رئيس الحكومة, ولو شئت لا ارتقيت منبر الحسين وأثرت عليك الرأي العام، ولو فعلتُ لوجدتَ نفسك على الفور بين عامة الشعب".
ولما اجتمع سري باشا بالشيخ المراغى مستفسرا منه عما قصده بعبارته، أجابه شيخ الأزهر قائلًا" ليس لي كلام غامض حتى يحتاج إلى شرح، وأنا قلت في كلامي ابتلينا بحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فإذا كان دولة رئيس الحكومة المصرية فيها قد أخذ من الإنجليز ميثاقا، مؤكدا بجلاء الجيش الإنجليزي عن مصر والسودان عقب انتهاء الحرب مباشرة في مدة معينة فليتفضل ويطلعني عليه، وأنا أعلن علي الملأ أن لنا في هذه الحرب ناقة وجملاً، وإلا فاتركني وأنا أرد عليهم إن كنت لا تستطيع الرد عليهم "، فسكت ولم يستطع الجواب، وهدأت العاصفة، لأن البريطانيين لا يحبون التصادم مع الشيخ الإمام لأنهم يعرفون مكانته الدينية وجرأته وأن الظروف تحتم عليهم ذلك.
وكانت الحكومة المصرية تتوقع بين لحظة وأخرى استيلاء دول المحور على الإسكندرية، حينذاك ساءت الأحوال الاقتصادية في البلاد، وشعر الناس بفداحة هذه الحرب في كل شئون الحياة وبلغ التدهور مداه إلى درجة حدوث أزمة في الخبز وكان الناس يتهافتون في الشوارع نريد الخبز قبل الكساء، وأمام هذه الأوضاع السيئة حاول الشيخ المراغي تخفيف حدة هذه الأزمة فوجه بياناً نصح من خلاله علماء الأزهر وطلبته والأمة جميعاً داعياً فيه إلى الهدوء والنظام والسير في طريق الأمن، وأن يعاون الشعب الحكومة فيما هي بسبيله من الذود عن الوطن والدفاع عنه، وأن يقوم بين الشعب تعاون وثيق وشعور ورحمة وعطف، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية نفت الإيمان عن الذي ينام وجاره بجواره جائع وهو يعلم، وهذا يقتضي التكافل الاجتماعي، ويقتضي من الجمهور اقتصاداً ومن التجار قناعة، ولذا طلب إلى العلماء وأبناء الأزهر في المدن والقري أن يراعوا هذا وأن يكونوا رسل رحمة، كما حذر الشيخ المراغي من استعمال الأسلحة المدمرة في قتل الأبرياء، وتمني لو استعملت نفقاتها في خدمة البشرية، كما حذر من نشر الشائعات في وقت الحرب وتصديقها، ودعا للأخذ على أيدي مروجي أخبار السوء، لأنهم ينالون بها أكثر مما ينال بالقذائف، حيث إنها تهدم النفوس، وتوقع الرعب والهلع وتفرق الصفوف، ودعا الناس في خطبه ومقالاته بألا يصدقوا كل خبر يقال، وأن يقاوموا ما استطاعوا أخبار السوء، وأن يتحلوا بالصبر وضبط النفس.
وقد وجه الشيخ المراغي إدارة الوعظ والإرشاد في الأزهر إلى القيام بحركة قوية في توزيع أعمال الوعظ وتنظيم المحاضرات للمحافظة علي الأمن العام وتوعية الناس بما يجب عليهم، وقد عهد الشيخ المراغي إلي تلك الإدارة بالمرور على المساجد، والجمعيات الخيرية التي تلقى فيها محاضرات الوعظ والإرشاد لتنفيذ ذلك.
وفي16المحرم1361هـ/2 فبراير1942م قامت المظاهرات المعادية لبريطانيا ولحكومة سري باشا، وكانت البداية من الجامع الأزهر، وفي اليوم التالي جرى تنسيق بين طلاب جامعة فؤاد الأول - القاهرة حاليا- وطلاب الجامعة الأزهرية، وخرجوا إلى قصر عابدين وهم يرددون هتافات معادية للبريطانيين: " إلى الأمام يا روميل ... يحيا فاروق ... يسقط الإنجليز "، وتصادف ذلك مع بدء الهجوم الألماني الثاني علي الصحراء الشرقية، ولم يتصد أحد لهذه المظاهرات، ولعل التتساؤل الذي يطرح نفسه ومفاده من الذي دبر هذه المظاهرات ؟ اختلف الباحثون في الإجابة وذهب البعض إلى أن هذه المظاهرات لم تكن مدبرة، ولكن سببها الاستياء العام الذي جمع مختلف طبقات الشعب, ففي حين استاء كبار الملاك من إجراءات الحكومة بتحديد مساحة الأرض التي يجوز زراعتها قطناً، كان مجموع الشعب مستاءً من قلة الموارد الاستهلاكية وارتفاع أسعارها، وأكد لامبسون " اللورد كيلرن Killearn فيما بعد" في مذكراته أن المحرك الأول لهذه المظاهرات المعادية للإنجليز هو الشيخ المراغى بالاتفاق مع علي ماهر والقصر، وأن شيخ الأزهر دبر تلك المظاهرات؛ للتخلص من وزارة سري باشا الموالية للإنجليز، ولفرض وزارة تنتمي للقصر، ولإخراج الإنجليز في وقت هم فيه أضعف ما يكونون، وفي وقت تقترب القوات الألمانية من الإسكندرية.
غير أن بعض المصادر تنسب هذه المظاهرات إلى البريطانيين أنفسهم ؛ لأن البلاد كانت واقعة تحت الأحكام العرفية، والذين يقودون هذه المظاهرات وإن كانوا من الوطنيين فعلاً لابد أن يقدروا خطورة تظاهرهم ودعائهم لروميل في بلاد يحتلها جيش الإنجليز، ومع ذلك سارت المظاهرات، ولم تعرف أشخاص قادتها ولا قبض رجال البوليس عليهم، ولم يتعرض لهم جيش الإنجليز المقيم في العاصمة، وكانوا يهدفون من ورائها إيجاد مبرر لفرض حكومة الوفد على القصر، ولكن يقلل من أهمية هذا الرأي أن سري باشا كان يحظى بتأييد الإنجليز إلي يوم وقوع المظاهرات، وكان ينفذ أوامرهم دون أدني مناقشة لهم، وذلك بشهادة الدكتور محمد حسين هيكل وكان وزيرا في الحكومة وقتذاك.
وفي شهادته في قضية مقتل أمين عثمان باشا وزير المالية المصري في حكومة الوفد - ألقي مصطفي النحاس باشا بعض الضوء علي تلك المظاهرات حيث قال" أنه سمع هتافات منها " أقبل يا روميل ", فاروق فوق رأسك" , وسمع أن هناك صوراً تلقى على الأرض وتداس بالأقدام، وعندما سُئِل عن صاحب المصلحة في تدبير هذه المظاهرات؟، وهل الإنجليز هم الذين دبروا المظاهرات ؟, قال النحاس" إنه لا يعقل أن يدبرها الإنجليز ضد أنفسهم إلا إذا أرادوا منها ذريعة للتدخل ".
ومن الواضح أن هذه المظاهرات كانت من تدبير القصر وليس الإنجليز لأنهم فرضوا النحاس باشا علي الملك، ولأنهم ليسوا في حاجة إلي تلك المظاهرات، ولا يمكن أن يخاطروا بتسييرها في وقت يشتعل فيه شعور الشعب بالكراهية نحوهم، وفي ظروف عسكرية غير مناسبة لهم؛ لأن احتمال اتساع نطاقها وانقلابها إلي ثورة شاملة احتمال منطقي في تلك الظروف، وأما علاقة الشيخ المراغي بها فإنه كان يعمل كل ما من شأنه مصلحة القصر التي يراها صوابا، ولا شك أن تدبير مظاهرات ضد الاحتلال كان هدفاً صائبا، فلا مانع من أن يشجعها ولو كان على حساب الحكومة القائمة التي كانت تساند الإنجليز.
ولما تأكد سري باشا أن الشيخ المراغي وراء هذه المظاهرات أبلغه : أنه مادام الأزهر يقصر نشاطه على الشئون الدينية فإن الحكومة لن تتدخل, ولكن إذا تدخل الأزهر في السياسة فإنه لن يتردد في إرسال البوليس لإجراء اللازم، وطلب منه أن يوقف هذه المظاهرات المعادية للإنجليز فوراً، ولكن تحذيرات رئيس الوزراء لم تؤثر في الموقف فقد تكررت المظاهرات والهتافات المعادية للإنجليز في شوارع القاهرة في اليوم التالي( 3 فبراير 1942م)، وكان المتظاهرون يحملون لافتات ضد بريطانيا والاحتلال، ولذلك قام رئيس الوزراء بإبلاغ أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي بأنه مستعد تماماً لقمع حركة الجامع الأزهر بشرط أن يحصل على تأكيدات من الملك فاروق أنه يؤيد هذا التصرف، فطلب رئيس الديوان مهلة للرد ثم عاد بعد ظهر اليوم ذاته ليبلغه : أن القصر لا علاقة له بالموضوع، وأن رئيس الوزراء يستطيع أن يفعل ما يحلوا له، ومعنى ذلك أن القصر لم يعد يؤيد حكومة حسين سري، وعندئذ فقد البريطانيون الثقة في قدرة حسين سري على مواجهة المواقف.
وفي 18 المحرم 1361هـ/ 4 فبراير1942، وجه لامبسون إنذارًا للملك فاروق مفاده إما تكليف مصطفي النحاس بتشكيل الوزارة، أو أن يتنازل عن عرشه، وحاصرت الدبابات قصر عابدين، وأجبرت بريطانيا الملك على تعيين حكومة يترأسها النحاس باشا رئيس حزب الوفد صاحب الشعبية في مصر، حيث رأت بريطانيا ضرورة قيام وزارة قوية وقادرة على الحكم وتحظي بتأييد شعبي كاف، وباستطاعتها مواجهة القصر الذي كانت له صلات واضحة بدولتي المحور( ألمانيا وإيطاليا )، وأن في إمكان النحاس باشا حشد الجماهير الثائرة لتأييد معاهدة 1936، وجهود الحلفاء الحربية .
وخلاصة الأمر يمكننا القول أن موقف الأزهر من الحرب العالمية الثانية كان واضح المعالم في نبذ الحروب ورفض أي شكل للسيطرة البريطانية؛ لأن الموقف الوطني للأزهر الشريف لايتجزأ في مختلف العهود، وكان علي الدوام قاعدة للنضال الشعبي والانطلاق الثوري ضد الحكام الظالمين، والغزاة الوافدين، والحق أن كفاح الأزهر لأن تاريخه يتمثل فيه تاريخ مصر، كان الأزهر فيها القائد الذي يرسم الخطة، ويتقدم الصفوف.

عناصر مرتبطة
الأحداث والمواقف
الشخصيات
الموضوعات
الذاكرة المعمارية